
مع اقتراب موعد الانتخابات الجماعية لسنة 2027، يتجدد النقاش حول موقع المقاطعات والجماعات الترابية الصغيرة داخل منظومة التدبير الترابي بالمغرب، ومدى التناسب بين حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق رؤسائها ونوابهم، وبين التعويضات المالية المخصصة لهم، في ظل إكراهات قانونية وتنظيمية لا تتيح لهم التفرغ الكامل لمهامهم الانتدابية وفق نظام واضح ومنصف.
ولعل مقاطعة بني مكادة بمدينة طنجة تقدم نموذجا صارخا لهذا الاختلال؛ إذ يبلغ عدد سكانها 567 ألفاً و465 نسمة، أي أكثر من نصف مليون نسمة، متجاوزة بذلك عدد سكان عدد من المدن والأقاليم بالمملكة، من قبيل مدينة تطوان (440 ألفا و54 نسمة)، وإقليم العرائش (510 آلاف و211 نسمة)، وإقليم الصويرة (426 ألفا و719 نسمة)، وإقليم خريبكة (525 ألفا و145 نسمة).
ورغم هذا الحجم الديمغرافي الكبير، وما يرافقه من تحديات معقدة في مجالات التعمير والنظافة والبنية التحتية والخدمات القريبة من المواطنين، فإن رئيس هذه المقاطعة لا يتقاضى سوى تعويض شهري يقدر بـ6000 درهم، وهو وضع ينسحب أيضا على باقي مقاطعات المدينة، مع تفاوت طبيعة المسؤوليات وحجم الإكراهات التي تواجهها الجماعات الترابية الصغيرة.
والمفارقة أن مطالب المواطنين لا تتوقف، وهذا حق مشروع لهم، بينما ينتظر من رئيس المقاطعة أن يكون حاضرا باستمرار، وأن يحافظ على تواصل مباشر مع الساكنة، ويتابع أداء المصالح الإدارية والملفات اليومية، ويتفاعل مع الشكايات والمشكلات المتراكمة، فضلا عن تحمله ضغط الإعلام والمساءلة السياسية ورقابة السلطات المختصة.
وتزداد هذه المسؤولية تعقيدا في ظل محدودية الصلاحيات المخولة لرؤساء المقاطعات، إذ تظل بعض القرارات والتدخلات مرتبطة بموافقة رئيس مجلس الجماعة أو بتدخل السلطات المختصة، ما يجعل الرئيس في مواجهة مباشرة مع انتظارات المواطنين، دون أن تتوفر له دائما الوسائل القانونية والإدارية الكافية للاستجابة لها.
إن هذا الاختلال بين حجم المسؤولية وضعف التعويضات وغياب إطار ملائم للتفرغ يطرح إشكالا حقيقيا يتجاوز الوضع المادي للمنتخبين، ليمس جودة التدبير المحلي ونزاهته وسلوكات الممارسة الانتخابية.
فاستمرار هذا الوضع قد يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية لدى بعض المنتخبين، سواء من خلال التطاول على المال العام أو تحويل الموقع الانتدابي إلى وسيلة للوساطة وتحقيق مصالح خاصة. وفي المقابل، قد يجد منتخبون آخرون أنفسهم أمام تدهور أوضاعهم الاجتماعية والمهنية نتيجة تخليهم عن أعمالهم أو مصادر دخلهم من أجل التفرغ الفعلي للتسيير، كما تبرز ذلك تجارب عدد من الرؤساء والنواب المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية.
ولا يعني هذا الطرح تبرير أي تجاوز أو ربط النزاهة بحجم التعويض المالي، وإنما التأكيد على أن تخليق الحياة العامة يقتضي، إلى جانب المحاسبة الصارمة، توفير شروط موضوعية وعادلة لممارسة المسؤولية الانتدابية.
ومن المفارقات التي تستدعي النقاش أيضا أن الأجر الشهري للقائد، باعتباره رجل سلطة يشرف على ملحقة إدارية، قد يصل وفق المعطيات المشار إليها إلى 21 ألفا و500 درهم، في حين لا يتجاوز التعويض الشهري لرئيس مقاطعة تضم أربعا أو ست ملحقات إدارية مبلغ 6000 درهم، رغم ما يتحمله من مسؤوليات تمثيلية وتدبيرية وضغط يومي مرتبط بانتظارات الساكنة. ومع الإقرار باختلاف الوضعيتين القانونيتين وطبيعة المهام، فإن هذا التفاوت يطرح سؤالا مشروعا حول مدى إنصاف المنتخب المحلي وتوفير شروط ملائمة لأداء مسؤولياته.
لقد أصبح من الضروري فتح نقاش جدي حول مراجعة نظام تعويضات رؤساء المقاطعات والجماعات الصغيرة ونوابهم، بما يراعي حجم الساكنة وطبيعة المسؤوليات والأعباء الفعلية، مع إقرار إطار قانوني واضح للتفرغ.
وفي هذا السياق، يمكن اعتماد تعويض شهري لا يقل عن 20 ألف درهم لرئيس المقاطعة، و10 آلاف درهم لنوابه، مقابل تشديد آليات المراقبة والتقييم والمحاسبة، وربط ممارسة المسؤولية بالنجاعة والشفافية واحترام القانون.
فإصلاح منظومة التدبير الترابي لا يتحقق فقط بتوسيع الصلاحيات أو رفع سقف انتظارات المواطنين، بل يقتضي أيضا إنصاف المنتخب المحلي، وتوفير شروط ممارسة مسؤولة تحفظ كرامته واستقلاليته، وتضمن في المقابل حق المواطنين في تدبير نزيه وفعال وخاضع للمساءلة.
إن المطلوب ليس امتيازات إضافية للمنتخبين، بل إعادة الاعتبار للمسؤولية الانتدابية، حتى لا تتحول التضحية المهنية والاجتماعية إلى شرط لممارسة الشأن العام، ولا يصبح المنصب الانتخابي مدخلاً للبحث عن موارد ومصالح خارج القانون.



